القرطبي
9
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
الكافر ليست بخيرات ، وأن وجودها وعدمها بمنزلة واحدة سواء . والجواب : أن اللّه تعالى قال : وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ولم يفصّل بين نفس ونفس ، فخيرات الكافر توزن ويجزى بها ، إلا أن اللّه تعالى حرّم عليه الجنة ، فجزاؤه أن يخفّف عنه ، بدليل : حديث أبي طالب ؛ فإنه قيل له : يا رسول اللّه إن أبا طالب كان يحوطك وينصرك ، فهل نفعه ذلك ؟ فقال : « نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح ، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار » « 1 » . وما قاله عليه السلام في ابن جدعان وأبي عدي إنما هو في أنهما لا يدخلان الجنة ولا يتنعمان بشيء من نعيمها ، واللّه أعلم . فصل أصل ميزان : موزان ؛ قلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها . قال ابن فورك « 2 » : وقد أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها ، إذ لا تقوم بأنفسها . ومن المتكلمين من يقول كذلك ، وروي ذلك عن ابن عباس أن اللّه تعالى يقلب الأعراض أجساما فيزنها يوم القيامة ، وقد تقدم هذا المعنى . والصحيح أن الموازين تثقل بالكتب فيها الأعمال مكتوبة وبها تخف ، كما دل عليه الحديث الصحيح والكتاب العزيز ، قال اللّه عز وجل : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ [ الانفطار : 10 ، 11 ] وهذا نص . قال ابن عمر : توزن صحائف الأعمال ، وإذا ثبت هذا ؛ فالصحف أجسام ، فيجعل اللّه تعالى رجحان إحدى الكفتين على الأخرى دليلا على كثرة أعماله بإدخاله الجنة أو النار . وروي عن مجاهد والضحاك والأعمش أن الميزان هنا بمعنى العدل والقضاء ، وذكر الوزن والميزان ضرب مثل ، كما يقول : هذا الكلام في وزن هذا وفي وزانه ؛ أي : يعادله ويساويه ، وإن لم يكن هناك وزن . قلت : وهذا القول مجاز ، وليس بشيء ؛ وإن كان شائعا في اللغة للسنة الثابتة في الميزان الحقيقي ووصفه بكفتين ولسان ، وأن كل كفّة منهما طباق السماوات والأرض .
--> ( 1 ) تقدّم تخريجه . ( 2 ) هو : أبو بكر ؛ محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني . وكان أشعريا متكلما من رؤوس أرباب الكلام . ونقل الذهبي عن ابن حزم قوله : « كان يقول - أي ابن فورك - : إن روح رسول اللّه قد بطلت وتلاشت ، وما هي في الجنة ! ! » . انظر ترجمته في : « سير أعلام النبلاء » ( 17 / 214 ) و « شذرات الذهب » ( 3 / 181 ) .